ابن أبي الحديد
207
شرح نهج البلاغة
ومن الدقائق في العلم النجومي الدرجات المدارة والغريبة والمظلمة والنيرة والزائدة في السعادة ودرجات الآثار ، من جهة أنها أجزاء الفلك ، إن قطعوها وما انقطعت ، ومع انتقال ما ينتقل من الكواكب إليها وعنها ، ثم أنتجوا من ذلك نتائج أنظارهم من أعداد الدرج وأقسام الفلك ، فقالوا : إن الكوكب ينظر إلى الكواكب من ستين درجة نظر تسديس لأنه سدس من الفلك ، ولا ينظر إليه من خمسين ولا من سبعين وقد كان قبل الستين بعشر درج ، وهو أقرب من ستين ، وبعدها بعشر درج ، وهو أبعد من ستين لا ينظر . فليت شعري ما هذا النظر ! أترى الكواكب تظهر للكوكب ثم تحتجب عنه ، ثم شعاعه يختلط بشعاعه عند حد لا يختلط به قبله ولا بعده ! وكذلك التربيع ، من الربع الذي هو تسعون درجة ، والتثليث من الثلث الذي هو مائة وعشرون درجة ، فلم لا يكون التخميس والتسبيع والتعشير على هذا القياس ! ثم يقولون : الحمل حار يابس ناري ، والثور بارد يابس أرضى والجوزاء حار رطب هوائي ، والسرطان بارد رطب مائي ! ما قال الطبيعي هذا قط ، ولا يقول به . وإذا احتجوا وقاسوا كانت مبادئ قياساتهم الحمل برج ينقلب ، لان الشمس إذا نزلت فيه ينقلب الزمان من الشتاء إلى الربيع ، والثور برج ثابت ، لان الشمس إذا نزلت فيه ثبت الربيع على ربيعيته . والحق أنه لا ينقلب الحمل ولا يثبت الثور ، بل هما على حالهما في كل وقت . ثم كيف يبقى دهره منقلبا مع خروج الشمس منه وحلولها فيه ! أتراها تخلف فيه أثرا أو تحيل منه طباعا ، وتبقى تلك الاستحالة إلى أن تعود فتجددها ، ولم لا يقول قائل : إن السرطان حار يابس ، لان الشمس إذا نزلت فيه يشتد حر الزمان ، وما يجانس هذا مما لا يلزم لا هو ولا ضده ، فليس في الفلك اختلاف يعرفه الطبيعي ، إلا بما فيه من الكواكب وهو في نفسه